مجمع البحوث الاسلامية

343

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يحاول أن يوفّق بين ظاهر الآية ، وما قاله الفلاسفة الطّبيعيّون في الرّعد والبرق ، فيؤوّل الآية . ومنهم من يبقي الآية على ظاهرها ، وينحى باللّائمة على الفلاسفة وأضرابهم ، الّذين قاربوا أن يصلوا إلى ما وصل إليه العلماء في العصر الحديث . ففي تفسير « الخازن » « 1 » قال أكثر المفسّرين : على أنّ ( الرّعد ) اسم للملك الّذي يسوق السّحاب ، والصّوت المسموع منه تسبيحه . ثمّ أورد على هذا القول أنّ ما عطف عليه ، وهو قوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ يقتضي أن يكون المعطوف عليه مغايرا للمعطوف ، لأنّه الأصل ، ثمّ أجاب : بأنّه من قبيل ذكر الخاصّ قبل العامّ تشريفا ! وقد بسط الآلوسيّ في تفسيره « 2 » - كما هي عادته - الأقوال في الآية ، وذكر أنّ للعلماء في إسناد التّسبيح إلى ( الرّعد ) قولين : أنّ في الكلام حذفا ، أي سامعو الرّعد ، أو أنّ الإسناد مجازيّ من قبيل الإسناد إلى السّبب والحامل عليه ، والباء في ( بحمده ) للملابسة ، أي يسبّح السّامعون لذلك الصّوت متلبّسين بحمد اللّه ، فيقولون : سبحان اللّه ، والحمد للّه . ومن العلماء من قال : إنّ تسبيح الرّعد بلسان الحال لا بلسان المقال ، حيث شبّه دلالة الرّعد على قدرة اللّه وعظمته ، وإحكام صنعته ، وتنزيهه عن الشّريك والعجز ، بالتّسبيح والتّنزيه ، والتّحميد اللّفظيّ ، ثمّ استعار لفظ ( يسبّح ) لهذا المعنى . وقالوا : إنّ هذا المعنى أنسب . وكلّ هذا من العلماء في الحقيقة تخلّص من حمل الآية على ظاهرها ، وأنّ المراد بالرّعد : الملك الموكّل بالسّحاب . ثمّ قال الآلوسيّ : والّذي اختاره أكثر المحدّثين أنّ الإسناد حقيقيّ ؛ بناء على أنّ ( الرّعد ) اسم للملك الّذي يسوق السّحاب . فقد روى أحمد ، والتّرمذيّ وصحّحه ، والنّسائيّ ، وآخرون عن ابن عبّاس - رضوان اللّه عليه - أنّ اليهود سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقالوا : أخبرنا ما هذا الرّعد ؟ فقال عليه السّلام : « ملك من ملائكة اللّه موكّل بالسّحاب ، بيديه مخراق من نار ، يزجر به السّحاب ، يسوقه حيث أمره اللّه تعالى » ، قالوا : فما ذلك الصّوت الّذي نسمعه ؟ قال : « صوته » قالوا : صدقت . وهذا الحديث إن صحّ يمكن حمله على التّمثيل ، ولكن لا يطمئنّ القلب إليه ، ولا يكاد يصدق وروده عن المعصوم صلّى اللّه عليه وآله . وإنّما هو من إسرائيليّات بني إسرائيل ، ألصقت بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله زورا ، ثمّ كيف يتلائم ما روي مع قوله قبل : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ، وقوله بعد : وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ الرّعد : 12 ، 13 . فالآية في بيان قدرة اللّه وعظمته في إحداث هذه الآيات الكونيّة ، على حسب ما خلقه اللّه في الكون من نواميس ، وأسباب عاديّة ! وإنّما المناسب أن نفسّر « تسبيح الرّعد » بلسان الحال ، وعطف ( الملائكة ) على ( الرّعد ) يقتضي أن يكون ( الرّعد ) غيرها لما ذكرنا . وكأنّ السّرّ في الجمع بينهما بيان أنّه تواطأ على

--> ( 1 ) 3 : 70 ( 2 ) روح المعاني 13 : 106 .